أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

49

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

بالعلم وعلاج النفس به وما اشتملت عليه يقال له طريقة البرهان ، لأنه ليس لأحد فيها مطعن ولا للضلال فيها مدخل ، ولكن لا يقدر عليها إلا فحول الرجال ، أما سلوك العامي بها فبأن يصحح اعتقاده على عالم يثق بديانته ، ويسأل عن علم حاله بوجه يشفيه وتطمئن نفسه له ، ويلزم التقوى والاستقامة بغاية جهده بعد التبصر فيما يتعلق بحاله ، ولا يدخل فيما فيه احتمال ولا تأويل ولا دخل من قول إمام معتبر غير إمامه ، ثم يستند في أحواله لشيخ ناصح أو أخ صالح قد جرب الأمور ، فيأخذ معه في كل ما يأتي أو يذر ، هذا إذا لم يجد شيخا وإلا فالشيخ أبصر بحاله ، يسلكه على ما يليق به ، إما على الطريق الأول أو على هذا ، أو وقف فيه موقف الآداب أو ما ظهر له من ذلك ، انتهى . وقد ذكر الشيخ عبد الواحد المغربي المتطبب في رسالة ألفها في الطريق أن الطريق على ثلاثة أقسام ، والناس بحسب اختلاف أحوالهم ثلاثة أقسام ، لكل منهم طريق يخصه . فالقسم الأول : ذو الأمزجة الكثيفة ، والأفهام البعيدة التي يعسر عليها محاولة التعليم ، ويدق على إدراكها رقاق التكليم ، فطريقهم بالعبادة والنسك من كثرة الصوم والصلاة وتلاوة القرآن والحج والجهاد وغير ذلك من الأعمال الظاهرة ، لأن هذه الطائفة لصلابة أبدانها وقوة إحكام أركانها وشدة جنانها تتحمل مشاق العبادة ولا تمل منها ، بل تصير تألفها كالأمور المعتادة ، والسالكون بهذا الطريق لا يزالون على هذه المناهج يرتقون لأرفع المعارج إلى أن تتلطف منهم الكثائف ، ويقربون حلق الوسط الذي هو موطن لتنزلات المعارف ، فحينئذ يكشف لهم عن سبحات المحبوب ، ويرون عجائب الغيوب ، فتسع بواطنهم ما تقصر عن إدراكه العقول ، ويتلقون عرائس الأسرار بالترحيب والقبول ، وهذه الطريقة صعبة جدا والواصل بها كاد أن يكون فردا . القسم الثاني : ذو الأفهام اللوذعية ، والأخلاق السنية ، والهياكل النورانية ، والنفوس الأمية نحو ذي المناصب والرتب ، والمتغللين في شهود قيود السبب ، والذين لا يملكون نفوسهم في حالة الغضب ، فطريقهم المجاهدات والرياضات ، وتبديل الأخلاق وتزكية النفوس ، والسعي فيما يتعلق بعمارة الباطن ، والسالكون بها لا يزالون يرتاضون في قلع ما انطبع في نفوسهم من الأخلاق الذميمة ، إلى أن تذهب تلك الطباع وترجع إلى فطرتها السليمة ، وملاك الأمر في ذلك مخالفة ما تهواه ، ورفض ما تتمناه ، إلى أن يستوي عندها الرضا والغضب ، والراحة والولاية وعدمها والتنزل إلى أسفل الرتب ، والكسب وعدمه من رفض كل حرفة وسبب ، فحينئذ قد خلصت النفس